ابن عطية الأندلسي

157

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وَالَّذِينَ هادُوا * هم اليهود ، وسموا بذلك لقولهم إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ الأعراف : 156 ] أي تبنا ، فاسمهم على هذا من هاد يهود ، وقال الشاعر : [ السريع ] إني امرؤ من مدحتي هائد أي تائب ، وقيل : نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب ، فلما عرب الاسم لحقه التغيير كما تغير العرب في بعض ما عربت من لغة غيرها ، وحكى الزهراوي أن التهويد النطق في سكون ووقار ولين ، وأنشد : وخود من اللائي تسمعن بالضحى * قريض الردافى بالغناء المهود قال : ومن هذا سميت اليهود ، وقرأ أبو السمال « هادوا » بفتح الدال . وَالنَّصارى * لفظة مشتقة من النصر ، إما لأن قريتهم تسمى ناصرة ، ويقال نصريا ويقال نصرتا ، وإما لأنهم تناصروا ، وإما لقول عيسى عليه السلام مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ * [ آل عمران : 152 ، الصف : 4 ] قال سيبويه : واحدهم نصران ونصرانة كندمان وندمانة وندامى ، وأنشد : [ أبو الأخرز الحماني ] : [ الطويل ] فكلتاهما خرت وأسجد رأسها * كما سجدت نصرانة لم تحنّف وأنشد الطبري : [ الطويل ] يظل إذا دار العشيّ محنّفا * ويضحي لديها وهو نصران شامس قال سيبويه : إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلّا بياء نسب ، قال الخليل : واحد النَّصارى * نصريّ كمهريّ ومهارى . والصابئ في اللغة من خرج من دين إلى دين ، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبا ، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيها بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا اللّه ، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت ، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت ، قال أبو علي : يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت ، فالصابئ التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره ، كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى سواها ، وبالهمز قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه ، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال ، أو يجعله على قلب الهمزة ياء ، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر . وأما المشار إليهم في قوله تعالى : وَالصَّابِئِينَ * فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب ، وقال مجاهد : هم قوم لا دين لهم ، ليسوا بيهود ولا نصارى ، وقال ابن أبي نجيح : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية ، لا تؤكل ذبائحهم ، وقال ابن زيد : هم قوم يقولون لا إله إلا اللّه وليس لهم عمل ولا كتاب ، كانوا بجزيرة الموصل ، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويصلون الخمس ويقرءون الزبور ، رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة .